عبد العال سالم مكرم
137
من الدراسات القرآنية
كتابة الأحاديث أول نزول الوحي مخافة التباس أقواله وشروحه وسيرته بالقرآن . . . ثم أذن بذلك إذنا عاما حين نزل أكثر الوحي ، وحفظه الكثيرون ، وأمن اختلاطه بسواه فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « قيدوا العلم بالكتاب » . وحفظ عنه صلوات اللّه عليه المنع من كتابة أحاديثه بوجه عام ، لأن كلامه كان موجها إلى عامة أصحابه ، وفيهم الثقة والأوثق ، والصالح والأصلح والضابط والأشد ضبطا ، والحافظ والأمتن حفظا ، وأذن في الوقت نفسه لبعض أفرادهم إذنا خاصا ، لتظاهر الكتابة الحفظ إن كانوا ضابطين ، أو تساعدهم ، على زيادة الضبط إن خيف نسيانهم ، ولم يوثق بحفظهم ، فكان إذنه لهؤلاء وأولئك أشبه بالاستثناء الذي خص به صلّى اللّه عليه وسلم نفرا من أصحابه لأسباب وجيهة قدر أهميّتها تبعا للظروف والأشخاص « 1 » . علوم الحديث : واضح إذا من هذه النصوص التي قدّمناها أن المسلمين منذ عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حفظوا عن نبيهم كل أقواله وأفعاله وأحواله ، وسيرته ، لأنه الرسول المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ، وهو المبلغ عن ربه ، والدّاعى إلى نوره ، وهو المبين لما أنزل ، الموضح لما شرع ، وهو الذي أعلن في حجة الوداع أن على المسلمين أن يبلغوا عنه : « فليبلغ الشاهد الغائب ، فربّ مبلغ أوعى من سامع » . وكانت هذه انطلاقة كبيرة انتشرت أنوارها في الجزيرة العربية أوّلا ثم أشرقت أنوارها في أرجاء الدنيا بعد ذلك حينما حمل المسلمون الراية القرآنية وراية السنة النبوية تخفقان جنبا إلى جنب على ربوع الدنيا . ولا أدل على عناية المسلمين بأحاديث نبيهم من هذا الجهد العظيم الذي قاموا به في محيط دراستها إلى أن تكوّن من هذه الدراسة علم نضج واكتمل وهو علم الحديث يقول عنه ابن خلدون في مقدّمته : « وأمّا علوم الحديث فهي كثيرة متنوعة ، لأن منها ما ينظر في ناسخه ومنسوخه . . ومعرفة الناسخ والمسوخ من أهم علوم الحديث وأصعبها . قال الزهري أعيا الفقهاء وأعجزهم أن
--> ( 1 ) علوم الحديث ومصطلحه / 20 - 21 - 22 .